اقتصاد المطبخ والبيت: كيف أنصف الفكر الاقتصادي النسوي "العمل غير المدفوع الأجر"؟
الاقتصاد

اقتصاد المطبخ والبيت: كيف أنصف الفكر الاقتصادي النسوي "العمل غير المدفوع الأجر"؟

مقدمة في قبو الاقتصاد الخفي

تعالوا نتخيل معاً سيناريو يتكرر مئات المرات يومياً في كل بيت عربي، من القرى المصرية الوادعة إلى العواصم العربية الصاخبة:أم البيت أو الزوجة العاملة تنهض مع فجر الله، تعد الإفطار، توقظ الأطفال للمدرسة، ترتب المنزل، تطهو الغداء، تراجع دروس الصغار، وربما ترعى فرداً مسناً من العائلة، ثم في نهاية اليوم، تنهار على الأريكة من شدة الإرهاق. إذا سألت أي مؤشر اقتصادي تقليدي عن قيمة هذا المجهود، ستكون الإجابة الصادمة: صفر!.

هنا בדיוק يتدخل الفكر الاقتصادي النسوي ليقلب الطاولة على نظريات الاقتصاد التقليدي التي طالما نظرت للبيت باعتباره مكاناً للاستهلاك فقط، متجاهلةً حقيقة أنه المصنع الأساسي الذي ينتج "قوة العمل" البشرية يومياً. فما هو هذا الفكر؟ وكيف أعاد الاعتبار للعمل المنزلي غير المدفوع؟ هذا ما سنكشفه في التفاصيل التالية.

ما هو الفكر الاقتصادي النسوي؟ ولماذا ثار على النماذج الكلاسيكية؟

الاقتصاد التقليدي،ذو الجذور الذكورية تاريخياً، بنى نماذجه على أساس "الرجل الاقتصادي العقلاني" الذي يخرج لسوق العمل ليتقاضى أجراً. وبذلك، تم شطب أي نشاط يحدث داخل الجدران الأربعة من الحسابات القومية للبلاد. جاء الفكر الاقتصادي النسوي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ليقول بصوت عالٍ: "الناتج المحلي الإجمالي ناقص النصف، لأن نصف المجتمع يعمل بالمجان!".

لا يقتصر هذا التيار الفكري على المطالبة بحقوق المرأة فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم "الإنتاج" و"الثروة"، ليؤكد أن رعاية الأطفال، وإعداد الطعام، وتنظيف المنزل، هي خدمات اقتصادية حقيقية لو توقفت ليوم واحد، لانهارت المنظومة الرأسمالية بأسرها لعدم وجود عمال قادرين على الذهاب لمقرات عملهم.

العمل غير المدفوع الأجر: الأرقام التي لا تراه

تشير تقديرات منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن النساء يقمن بنحو ثلاثة أضعاف ما يقوم به الرجال من أعمال رعاية غير مدفوعة الأجر على مستوى العالم. وفي المنطقة العربية ومصر، ترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ بسبب الأعراف الثقافية والاجتماعية التي تضع عبء الأسرة كاملاً على كاهل المرأة، بغض النظر عن عملها الخارجي.

إليك كيف يترجم هذا العمل لغةً وأرقاماً:

  • التكلفة الفرضية: لو افترضنا أن الأسر دفعت أجراً مقابل كل ساعة تنظيف أو رعاية أطفال أو طهي، لشكّل هذا الرقم نسبة ضخمة (تتراوح بين 10% إلى 40%) من الناتج المحلي الإجمالي للدول.
  • الفقر الزمني: المرأة التي تعمل ثماني ساعات خارج المنزل، ثم تعود لتؤدي "نوبة عمل ثانية" مجانية في البيت، تعاني مما يُعرف اقتصادياً بـ "الفقر الزمني"، وهو ما ينعكس سلباً على صحتها النفسية والجسدية وفرص ترقيها مهنياً.
  • التبعية المالية: غياب الاعتراف المالي بالعمل المنزلي يبقي النساء في حالة تبعية اقتصادية للزوج أو العائل، مما يضعفهن تفاوضياً داخل الأسرة والمجتمع.
  • حلول ومقترحات: كيف نعترف بالاقتصاد الخفي؟

    لا يدعو الفكر الاقتصادي النسوي إلى دفع راتب شهري لكل ربة منزل من الحكومة (رغم وجود تجارب ومقترحات راديوكلية حول ذلك)، بل يطالب بحلول مؤسسية هيكلية ترفع هذا الكاهل الثقيل، وتتضمن:

    • تعديل الحسابات القومية: إدخال قيمة العمل غير المدفوع الأجر في تقديرات الناتج المحلي الإجمالي (Satellite Accounts).
    • الاستثمار في البنية التحتية الاجتماعية: التوسع في الحضانات الحكومية ومدارس الفترتين بتكلفة رمزية، وتوفير دور رعاية للمسنين، مما يخفف العبء المنزلي.
    • سياسات العمل المرنة: إقرار إجازات الأبوة المدفوعة للأزواج لتشجيع تقاسم أعباء البيت والرعاية بين الجنسين.

    خاتمة ودعوة للتفاعل

    في النهاية، الاقتصاد ليس مجرد أرقام في بورصة وول ستريت أو البنك المركزي، بل هو دراسة كيفية إدارة الحياة والمجتمع. الاعتراف بـ العمل غير المدفوع الأجر ليس رفاهية نسوية، بل هو ضرورة اقتصادية وإنسانية لتحقيق عدالة توزيع الثروة والتنمية المستدامة. والآن عزيزي القارئ، برأيك: كيف يمكن للمجتمعات العربية أن تنصف "ست البيت" اقتصادياً دون أن يفقد البيت روحه ودفؤه؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك