كلمة السر في الاستثمار: كيف يصنع الاستقرار السياسي والقانوني معجزة "سهولة ممارسة الأعمال"؟
الاقتصاد

كلمة السر في الاستثمار: كيف يصنع الاستقرار السياسي والقانوني معجزة "سهولة ممارسة الأعمال"؟

مقدمة: البوصلة الاقتصادية.. أين تبدأ حكاية الاستثمار الحقيقية؟

حين يتحدث خبراء الاقتصاد عن جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وحين تتبارى الدول في إطلاق المنصات الرقمية وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات في دقائق معدودة، يتبادر إلى ذهن المستثمر المصري والعربي سؤال جوهري لا مفر منه: هل السر فقط في سرعة استخراج التراخيص؟ أم أن هناك حكاية أخرى أعمق وأكثر تأثيراً؟

في عالم المال والأعمال، لا شيء يخيف رأس المال أكثر من الغموض. رأس المال بطبيعته "جبان"؛ يبحث عن الأمان قبل أن يبحث عن الربح. ومن هنا يبرز مؤשר سهولة ممارسة الأعمال كمرآة حقيقية تعكس ليس فقط كفاءة البيروقراطية، بل الأهم من ذلك: الاستقرار السياسي والقانوني كمحدد أساسي لتصنيف الدول.

ما هو مؤشر سهولة ممارسة الأعمال؟ ولماذا تقف السياسة خلف الكواليس؟

يُعد مؤشر سهولة ممارسة الأعمال (Ease of Doing Business) الذي أصدره البنك الدولي لسنوات طويلة، والتقييمات البديلة التي ظهرت لاحقاً مثل تقرير "جاهزية الأعمال" (B-READY)، بمثابة البوصلة التي تسترشد بها الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار العالمية قبل أن تضع قرشاً واحداً في أي سوق ناشئة، سواء في مصر أو المنطقة العربية أو حول العالم.

ولكن، لكي نكون منصفين وواقعيين، فإن تقليص عدد الإجراءات وتخفيض الرسوم وإلغاء التعقيدات البيروقراطية هي مجرد قمة الجبل الظاهرة للعيان. أما القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها هذا الجبل، فهي تتكون من عنصرين حاسمين:

  • الاستقرار السياسي: ضمان استمرارية السياسات العامة وعدم مفاجأة المستثمرين بقرارات سياسية هدمية.
  • الاستقرار القانوني والقضائي: وجود قوانين واضحة وشفافة، ونظام قضائي عادل وسريع يفصل في النزاعات التجاريّة دون إبطاء.

حين يغيب الاستقرار: دروس مستفادة من قلب الأسواق الناشئة

في الشارع المصري والعربي، يعلم التاجر ورجل الأعمال المخضرم أن "أبو العريف" في التجارة هو وضوح الرؤية. عندما تشهد دولة ما اضطرابات سياسية متتالية أو تعديلات وزارية مفرطة تصاحبها سياسات اقتصادية متخبطة، فإن أول ما يتأثر هو تصنيف الدولة في تقارير التنافسية الدولية.

خذ مثلاً قطاع العقارات أو الصناعة؛ لا يمكن لمستثمر أن يضخ الملايين في بناء مصنع أو مدينة تجارية جديدة دون أن يثق أن القوانين المنظمة للضرائب، والجمارك، وحيازة الأراضي، وتحويل الأرباح لن تتغير بتبدل الأشخاص والمسؤولين. هنا يتجلى دور التشريعات المستقرة؛ فالقانون المرن والثابت في آن واحد هو درع الحماية لكل جنيه يتم استثماره.

سيادة القانون: الضمانة الأكيدة لحماية المستثمر الصغير والكبير

لا يقتصر دور الاستقرار القانوني على الشركات العابرة للقارات فحسب، بل يمتد ليشمل الشباب ورواد الأعمال أصحاب الشركات الناشئة (Startups) الذين يقودون قاطرة الابتكار في مصر والمنطقة العربية اليوم. إن توفير بيئة قانونية تضمن:

  • حماية حقوق الملكية الفكرية.
  • تسهيل عقود الإفلاس وإعادة الهيكلة دون وصم اجتماعي أو قانوني مدمر.
  • تفعيل آليات التسوية الودية والتحكيم التجاري السريع.

هو ما يرفع أسهم أي دولة في مؤشرات التنافسية العالمية، ويجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الذكية.

جهود الدولة المصرية والمنطقة العربية نحو بيئة أعمال مستدامة

في السنوات الأخيرة، شهدت مصر والعديد من الدول العربية قفزات نوعية في إصلاح البنية التشريعية والاقتصادية؛ بدءاً من إصدار قانون الاستثمار الجديد، مروراً بتفعيل "الرخصة الذهبية" لتشجيع المشروعات الاستراتيجية، وصولاً إلى تعزيز دور المجلس الأعلى للتثمار في إزالة العقبات البيروقراطية بحسم.

ولكن، يبقى الرهان الحقيقي مستمراً على التنفيذ الفعلي على الأرض ومدى انعكاس هذه القوانين على تقليل وقت النزاعات القضائية التجارية، لترجمتها بشكل مباشر إلى مراكز متقدمة في مؤشرات التنافسية الدولية وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI).

الخاتمة والدعوة للتفاعل

في النهاية، يظل الاستقرار السياسي والقانوني هو التربة الخصبة التي تُبتنى عليها صروح التنمية الاقتصادية. لا توجد تنمية مستدامة دون أمان قانوني، ولا يمكن لمؤشر سهولة ممارسة الأعمال أن يحقق أهدافه المرجوة في جذب الاستثمارات ما لم يستند إلى قواعد تشريعية راسخة وثابتة تحمي الحق وتكفل العدالة الناجزة.

والآن عزيزي القارئ.. من وجهة نظرك، ما هي الخطوة الأهم التي تحتاجها بيئة الأعمال في بلدك لتقفز خطوات واسعة في مؤشرات التنافسية العالمية؟ شاركنا برأيك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك