سر «المزاج المصري»: تاريخ القهوة من دراويش الصوفية إلى «الكافيهات» الحديثة
منوعات

سر «المزاج المصري»: تاريخ القهوة من دراويش الصوفية إلى «الكافيهات» الحديثة

سر المزاج المصري: حكاية فنجان يختصر التاريخ

في أزقة القاهرة القديمة، حيث تفوح رائحة التاريخ الممتزجة بعبق الهيل والبن المحوج، لا يعد فنجان القهوة مجرد مشروب صباحي عادي لزيادة التركيز، بل هو طقس يومي مقدّس يضبط إيقاع الحياة ويعدل المزاج المصري. منذ قرون طويلة، ارتبطت ثقافة القهوة في مصر بحكايات المقاهي، وجلسات الأدباء، ونقاشات السياسة، حتى أصبحت «القهوة» ركنًا أساسيًا من الهوية الشعبية والتفاعلية للشارع المصري والعربي على حد سواء.

اليوم، نأخذكم في رحلة شيقة ومفصلة عبر الزمن، نستكشف فيها كيف تحول هذا المشروب الساحر من رفيقة لدراويش الصوفية ومحاربة في المحاكم الشرعية، إلى صناعة تقدر بالمليارات وطقس لا غنى عنه في الكافيهات المعاصرة.

البداية من رواق الأزهر: كيف دخلت القهوة إلى المحروسة؟

لم تكن بداية دخول القهوة إلى مصر مفروشة بالورود؛ بل كانت محفوفة بالجدل والمنع. تشير المصادر التاريخية إلى أن أول من أدخل القهوة إلى مصر في القرن السادس عشر الميلادي (حوالي عام 1500م) هم طلبة الأزهر الشريف المغتربين القادمين من اليمن، وتحديدًا من المتصوفة الذين وجدوا في القهوة معينًا لهم على السهر والعبادة وتلاوة الأوراد الطويلة في الليل.

ولكن سرعان ما أثار هذا المشروب الجديد دهشة وتوجس عامة الناس والفقهاء؛ ففي عام 1572م، شهدت القاهرة معركة فقهية كبرى، حيث أفتى بعض العلماء بحرمة شرب القهوة واعتبروها مسكرة ومفسدة للعقل كالأشربة المحرمة. وصل الأمر إلى صدور قرارات رسمية بمنعها وإغلاق أماكن تقديمها وتكسير أوانيها. إلا أن عشق المصريين للمشروب الجديد، وإصرار دراويش الصوفية على فوائدها، أدى في النهاية إلى تراجع السلطات، لتنتصر القهوة وتتحول من مشروب غامض ومثير للجدل إلى «سلطانة المشروبات» في مصر.

«القهوة البلدي».. برلمان الشعب وملتقى النخب الأكاديمية والشعبية

مع انتشار القهوة، ظهرت تاريخ المقاهي في مصر كظاهرة اجتماعية فريدة. لم تكن «القهوة البلدي» مجرد مكان لتناول المشروبات، بل تحولت إلى برلمان شعبي حقيقي يُناقش فيه كل شيء؛ من أسعار السلع إلى عزل الحكام والثورات ضد المستعمرين.

ولعل أشهر مثال على ذلك هو مقهى الفيشاوي الشهير في حي الحسين بالقاهرة، والذي تأسس قبل أكثر من قرنين، وكان شاهدًا على أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية. في هذا المقهى وغيره من مقاهي وسط البلد التاريخية، كان يجلس أديب نوبل نجيب محفوظ ليتأمل ملامح المارة ويكتب روائعه التي وصلت للعالمية، وكان يجلس بيرم التونسي، وسيد درويش، وأم كلثوم، لتبادل الأفكار وصياغة وجدان الفن العربي.

أبرز ملامح القهوة البلدي التقليدية:

  • الجرار والزبائن الدائمين: حيث يعرف صاحب المقهى أو «القهوجي» مزاج كل زبون بمجرد دخوله من الباب.
  • صوت شقشقة الملاعق: النغمات المألوفة الناتجة عن تقليب السكر في الكنزات النحاسية.
  • «الراديو الخشبي القديم»: الذي يصدح بصوت كوكب الشرق أم كلثوم في المساء، أو الشيخ رفعت في الصباح الباكر.

من «الكنكة النحاسية» إلى ماكينة «الاسبريسو»: تطور طقوس التحضير

يرتبط تحضير القهوة في الثقافة المصرية بطقوس دقيقة تعكس مدى اهتمام المواطن بـ «تعديل المزاج». في الماضي، كان الاعتماد كليًا على الكنكة النحاسية التي توضع على «الرمالة» (حوض مليء بالرمل الساخن) لتنضج القهوة على نار هادئة جدًا، مما يمنحها ذلك «الوش» أو الرغوة الغنية التي يتباهى بها أي صانع قهوة محترف.

ومع مرور الوقت، تنوعت طرق إعداد القهوة لتناسب رتم الحياة السريع، دون أن تفقد قيمتها الجمالية. ونستعرض هنا أشهر تصنيفات القهوة التقليدية التي يطلبها المصريون في المقاهي:

  • القهوة السادة: بن بدون سكر تمامًا، وهي قهوة الصباح الباكر لشد الانتباه، أو في مناسبات العزاء.
  • القهوة الريحة: ربع ملعقة صغيرة من السكر (مجرد لمحة سكر).
  • القهوة المضبوط: ملعقة سكر واحدة، وهي الخيار الأكثر شعبية وتوازنًا.
  • القهوة الزيادة: ملعقتان من السكر أو أكثر، لعشاق المذاق الحلو.
  • القهوة المانويلا: وهي درجة بين المضبوط والزيادة لمن يبحث عن معادلة خاصة جدًا.
  • القهوة الفرنساوي: قهوة ممزوجة بالحليب الساخن، ويفضلها الكثيرون في فترات الضحى.

في العقدين الأخيرين، اقتحمت الكافيهات الحديثة ومقاهي الموجة الثالثة الشارع المصري، حاملة معها ثقافة «الاسبريسو»، و«الكابتشينو»، و«الفلات وايت»، و«القهوة المقطرة» (V60). لم يعد زبون المقهى يبحث فقط عن الكنكة التقليدية، بل أصبح الشباب يفضلون نكهات البن الإثيوبي، والكولومبي، واليمني المختص، مع التركيز على درجات التحميص المعقدة والإيحاءات الطبيعية للفاكهة والشوكولاتة في حبات البن.

البعد الاقتصادي والاجتماعي للقهوة في مصر اليوم

لا تقف القهوة عند حدود المتعة والمزاج، بل تمثل رقماً صعباً في الاقتصاد المصري. تشير التقديرات والإحصاءات غير الرسمية إلى أن المصريين يستهلكون عشرات الآلاف من أطنان البن سنوياً، بقيمة استيرادية ضخمة تعكس حجم الطلب الهائل. وقد أدى هذا الشغف إلى ازدهار مشاريع ريادة الأعمال القائمة على المقاهي وعربات القهوة المتنقلة التي توفر آلاف فرص العمل للشباب المصريين في مختلف المحافظات.

كما تحولت المقاهي والكافيهات الحديثة إلى مساحات عمل مشتركة (Co-working spaces) يرتادها الطلاب، والمستقلون (Freelancers)، وصناع المحتوى، لتصبح القهوة وقود الإبداع والعمل والإنتاج في العصر الرقمي.

خاتمة ودعوة للتفاعل

بين جدران مقهى الفيشاوي العتيق، وصخب الكافيهات الحديثة في التجمع والشيخ زايد، تظل القهوة القاسم المشترك الذي يجمع قلوب المصريين وعقولهم. إنها ليست مجرد مشروب ساخن في فنجان، بل هي حكاية شعب يعشق اللمة، ويقدس المزاج، ويصنع من تفاصيل يومه البسيطة طقوساً تملأ الدنيا حياة وحيوية.

والآن، حان دورك لتشاركنا في التعليقات: كيف تحب فنجان قهوتك المفضل؟ وما هي القهوة المفضلة لديك (التركي على الرملة أم الاسبريسو الحديث)؟ شاركنا برأيك ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من عشاق القهوة!

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك